عبد الكريم الخطيب
1338
التفسير القرآنى للقرآن
وهذا يشير إلى أن مراجعة الرسول ، فيما يأمر به ، مما لم يستبن للمسلم منه الحجة الواضحة والدليل المقنع - هذه المراجعة ، بل المعارضة أحيانا لا حرج منها ، إذ كانت غايتها هي وضوح الرؤية ، وانكشاف الطريق ، لعيني المؤمن ، حتى يكون على بينة من أمره ، وحتى يمتثل ما يؤمر به ، وهو على هدى وبصيرة ، واقتناع . . فدعوة الإسلام دعوة قائمة على العدل ، مستندة إلى الحجة والبرهان . . ومن ثمّ كان على المسلم أن يعرض أمور دينه كلها على عقله ، وأن يلتمس الدليل المقنع ، والحجة القاطعة في كل أمر . . فإذا لم يسعفه عقله بالدليل ، وجب عليه امتثال ما يؤمر به ، مع اليقين بأنه هو الحق ، والخير . . إذ ليس العقل إلا حاسّة من الحواس العاملة في الإنسان ، وشأنه شأن كل حاسّة في أن له حدودا يعمل فيها ، وأنه إذا جاوز هذه الحدود بطل عمله . . وفي سيرة الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - مع صحابته رضوان اللّه عليهم ، كثير من المواقف ، التي يلقى فيها الصحابة رسول اللّه - في أدب رائع واحترام عظيم - معترضين أو مخالفين ، حتى إذا كشف لهم الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - عن وجه الأمر ، أو أراهم من نفسه أنه ماض لم أمرهم به ، لم يكن لأحد منهم إلا السمع والطاعة ، في إيمان ثابت ويقين مكين . . وتذكر هنا - من باب الإشارة - ما كان من الحباب بن المنذر بن الجموح ، حين رأى النبىّ - صلوات اللّه وسلامه عليه - وقد أنزل المسلمين منزلا في غزوة بدر ، فلما لم يره الحباب بالمنزل المناسب للمسلمين ، جاء إلى رسول اللّه يسأله قائلا : يا رسول اللّه . . أهو منزل أنزلكه اللّه ، فليس لنا أن نتحول عنه ، أم هو الرأي والمكيدة والحرب ؟ فقال صلوات اللّه وسلامه عليه : « بل هو الرأي والمكيدة والحرب » . . وهنا أشار الحباب بالمنزل الذي رآه . . فأخذ